مشكلة أوباما (العربية) ومشكلة العرب (الأوبامية)

Posted by admin On February - 7 - 2010

خلال الأسبوع الماضي، استلمتُ مايقربُ من عشر رسائل (إيميل) من زملاء مختلفين، لكن مضمون الرسالة كان نفسهُ في جميع الحالات. فقد كانت تحوي مقالاً للزميل ياسر الزعاترة بعنوان (أبو راتب في قبضة أوباما). الواضح أن بعض تلك الرسائل على الأقل كان مُرسلاً بقصد تغيير رأيي في الرئيس الأمريكي باراك أوباما. وكأن الزملاء يقولون لي على لسان الزميل الزعاترة: أرأيت؟ حتى (أبو راتب) المُنشد المُسالم لم ينجُ من صاحبك..

والحقيقة أن الزميل كان موفقاً في اختيار العنوان من وجهة نظرٍ إعلامية.. وقد لاأختلف معه في كثيرٍ مما أورده في المقال فيما يتعلق بأبو راتب نفسه، أو أمثاله من الأشخاص الذين كان التعامل معهم من مدخل الشبهة فضيحةً لأمريكا ومبادئها.

لكن المشكلة في نظري تتمثل في أن العنوان يوحي بأن الرئيس الأمريكي أصدرَ ووقّعَ بنفسه أوامر القبض على أبو راتب. لهذا، لاأستغرب أن يتبين إذا حصل استفتاءٌ بين قراء الزميل أن أغلبيتهم تظنُّ ذلك. وبغض النظر عما إذا كان الأمرُ مقصوداً أم لا، إلا أنني أعتقد أن طرح القضية من هذا المدخل يساهم في استعجال إصدار الأحكام على أوباما، في حين أن وصول الرجل إلى قمة الهرم في النظام السياسي الأمريكي، ومايحاول أن يقوم به، ومايمكن أن يفعلهُ، يجب أن يدخل في نطاق الدراسات السُّننية. بمعنى ألا تنحصر وحدةُ الزمن أثناء الحسابات في بضعة شهور أو حتى في عامٍ أو اثنين، وأن تدخل من جهةٍ أخرى في الحسابات جميع عناصر الواقع ومتغيراته الكثيرة.

لاأدافع هنا عن أوباما من قريبٍ أو بعيد. وإنما أحاول إبقاء الباب مفتوحاً لإمكانيات فهم الواقع الأمريكي بشكلٍ أكثر رحابةً، وبالتالي أكثر دقةً. وتخفيفَ الضغط النفسي الذي تخلقه مثل هذه الطروحات في الواقع العربي نفسه، بحيث تفرك الملح في جرحه كما يقولون، لكنها لاتقدم له مخرجاً عملياً واقعياً من المأزق الذي يجد أنه يغرق فيه بشكلٍ متزايد.

صحيحٌ أن أوباما يريد تحقيق مصالح شعبه وبلاده. لكن من التعسّف أن نؤكد ليل نهار أن تحقيق تلك المصالح لايمكن إطلاقاً إلا على حساب مصلحة العرب والمسلمين. والنظرُ إلى الواقع من خلال تلك الحتميات والأحكام النهائية المطلقة لايُخالف المنطق فقط، وإنما يكون على الدوام سبباً في خلق حالةٍ من العجز الفكري والسياسي في مجال فهمه والتعامل معه بما يحقق المصالح المشتركة للجميع، وهي ليست قليلةً على الإطلاق.

لقد كنتُ ولاأزال أرى أن أوباما يحاول القيام بعملية إصلاحٍ حقيقية غير مسبوقةٍ على هذا المستوى، قد تكونُ نافذة فرصةٍ تاريخيةٍ للبشرية لم تشهد مثلها منذ زمنٍ طويل، وقد لاتشهدُ مثلها إلى أمدٍ بعيدٍ قادم إذا لم ينجح الرجل في مسعاه. أقول رأيي بوضوحٍ وتحديد لتسجيله في صفحات التاريخ، إذا كان ثمة مجالٌ لمثل هذا الأمر في هذا المقام.

ونحن حين نتحدث عن الإصلاح فإننا نتحدث عن محاولةٍ يقوم بها الرجل للإصلاح في بلاده قبل كل شيء. ولكن، بما أن التداخل بين أمريكا والعالم على جميع المستويات، سياسياً واقتصادياً وعلمياً وثقافياً.. أصبح وثيقاً إلى درجةٍ يعرفها القاصي والداني، فإن الإصلاح الداخلي فيها لابدّ أن يؤثر إيجاباً على العالم بشكلٍ أو بآخر.

غير أن الأمر لايقف عد هذا الحدّ، فأنا أؤمن أيضاً بأن أوباما يبحث عن نظامٍ عالمي مختلف، تسودُ فيه قيم المساواة والعدالة والمشاركة والتعاون بين الشعوب والثقافات والدول بدرجةٍ أكبر.

لكن صعوبة عمليات الإصلاح المذكورة تتناسب طرداً مع مستوى التعقيد البالغ للمنظومة الأمريكية من جانب، ومع ثقل الواقع الذي خلقهُ وجود اليمينيين المحافظين في الحكم لمدة ثماني سنوات من جانبٍ آخر، ومع تعدد وجوه ومصادر الأزمات التي يعيشها العالم، بما في ذلك العالم العربي والإسلامي، من جانبٍ ثالث.

بمعنى أن الرجل لايتحرك في فراغ، أو في أجواء هادئة ومحايدة. وإنما يعملُ في عالمٍ مُتغير باتت أجواؤه أشبه بالأجواء التي تُصاحب الأعاصير والعواصف. لهذا، لايبدو غريباً أن يسمع المرء ويشاهد التعليقات المتكررة في الإعلام الأمريكي عن الشّيب الذي غزى شعر الرجل خلال سنةٍ واحدةٍ فقط، وعن التجاعيد التي زاد ظهورها في وجهه خلال تلك السنة بأكثر من زيادتها خلال السنوات الثمانية الماضية.

من المرجّح أن يقفز في وجهك مهرجٌ يفهم من الكلام السابق أنك حزينٌ على شيب أوباما وتجاعيده أكثر من حزنك على مآسي العرب ومشكلاتهم! لكن هذا يبقى، كالعادة، دليلاً آخر على مأساة التفكير في الثقافة العربية قبل أن يكون دليلاً على أي شيءٍ آخر.

خلاصة القول أنه لاتناقض بين التأكيد على وجود العيوب والأخطاء في المنظومة الأمريكية وبين القول بأن أوباما رئيسٌ يحاول أن يُصلح تلك العيوب. كما لايوجد تناقضٌ بين التأكيد على أن شعوب العرب والمسلمين تعاني فعلاً الويلات على أكثر من مستوى وبين القول بأن جزءاً مقدراً من تلك المعاناة يتعلق بأسباب داخلية ثقافية وسياسية واجتماعية.

احتاجت إدارة أوباما إلى عامٍ كامل من العمل السياسي والقانوني والدبلوماسي لتحريك موضوع معتقل غوانتانامو في اتجاهٍ أفضل كما حاولنا أن نشرح بتفصيل في مقالٍ سابق. واحتاجت إلى عامٍ كامل من العمل لإقرارٍأولي فقط من قبل الكونغرس لمشروع قانون إصلاح النظام الصحي. هذا رغم أن هناك حاجةً ماسةً في أمريكا لإصلاحه، ورغم أن الأغلبية في يد الديمقراطيين الذين يحكمون البيت الأبيض.

هناك في أمريكا مصالح اقتصادية وسياسية وأيديولوجية ضخمة، تمتلك قوةً هائلة، ولاتريد للمنظومة أن تتغير. والعمل على مسألة الإصلاح في هذا الوسط هو أشبه بالمشي في حقل ألغام.

ومشاكلُ العرب فيما بينهم، وبينهم وبين إيران. ومشاكلُ الفلسطينيين فيما بينهم، وبينهم وبين العرب. وانقسامات العراق، والتفجيرات الانتحارية فيه وخارجه، والفساد في أفغانستان وباكستان، وماقام به أمثال الضابط الأمريكي العربي الأصل نضال حسن من قتل زملائه، كلُّ هذا يوفر تربةً خصبةً لتلك المصالح لتحقيق ماتريد وإبقاء الأوضاع كما كانت عليه أيام إدارة بوش. ويجعل العالم حقلاً كبيراً للألغام بالنسبة لكل من يتحدث عن الإصلاح، حتى لو كان رئيس أمريكا.

المصدر: صحيفة المدينة. بتاريخ: 7/2/2010

Picture by: ~C4Chaos

Popularity: 14% [?]

Categories: ملفات

5 Responses

  1. لا تلازم أخي أبا عمر بين العجز الفكري والسياسي إزاء تحقيق المصالح المشتركة مع الأميركي وقراءة الوقائع والمعطيات قراءة موضوعية مجردة عن العواطف والتمنيات مندرجة في سياقها التاريخي والمعرفي.

    أوباما لم يهبط على البيت الأبيض من المريخ والمشكلة ليست محصورة في شخصه وأعتقد أنك توافقني أنه ليس سوى عنصر في منظومة متكاملة، بل هو الابن الشرعي لتلك المنظومة التي لم يصل إلى قمة هرمها إلا بعد أن اجتاز جميع الامتحانات التأهيلية التي لا بد لكل مرشح للرئاسة أن يمر بها. هذه المنظومة لها أيديولوجية وثقافة وتاريخ لا تخطئه العين المستبصرة في عبر الماضي ووقائع الحاضر واستشراف المستقبل. ومن ثم فإن الحكم على أوباما لا ينطلق من حتميات بقدر ما ينطلق من معطيات ومعلومات يصعب أن يتجاهلها المرء لحساب رؤية مفرطة في التفاؤل غير المبرر.

    في ضوء ما تقدم يصبح البرنامج “الإصلاحي” الذي يتبناه أوباما استجابة للمأزق الذي وجدت القوة العظمى نفسها فيه أكثر منه رغبة أصيلة في انتهاج مقاربة أكثر عدلاً وإنصافاً للمكتويين بنيران السياسات الأميركية سواء من المواطنين الأميركيين أو من شركائهم حول العالم.

    لو أنك أخي الكريم راجعت سياسات كلينتون عام 1993 بعد اثنتي عشرة سنة عجافٍ من حكم الجمهوريين تخللتها عدة حروب لبهتت ثورية البرنامج الإصلاحي لأوباما في نظرك. فذلك البرنامج الإصلاحي لا يكتسب بريقه إلا عندما يقارن بالخلفية القاتمة لسنوات بوش الثماني العجاف المليئة بالحروب التي سبقتها. أوباما ليس إلا نسخة سمراء من كلينتون وبرنامجه “الإصلاحي” في معظم جوانبه ليس إلا نسخة مكررة من برنامج زوج وزيرة خارجيته. وأوباما ديمقراطي وسطي كلينتوني المنهج والتيار والمستشارين. حتى مستوى البلاغة والرطانة والفصاحة بينهما متشابه. ومن ثم، وأخذاً في الاعتبار أن الظروف التي استلم فيها أوباما الحكم أسوأ بكثير من تلك التي تسلمها كلينتون، فإن ما يمكن لأوباما إنجازه لا يتجاوز سقف ما أنجزه كلينتون وهذا سقف منخفض لا يرقى أن يتطلع إليه المواطن العربي بشوق وترقب!

    أما الإصرار على أن أوباما ظاهرة متميزة فريدة قل أن يجود الزمان بمثلها فهو في رأيي يندرج في باب العواطف والتمنيات أكثر مما يندرج في باب القراءة الموضوعية المستندة إلى المعلومات والمعطيات الموثقة، وتبني مثل هذه الرؤية هو أدعى في رأيي الشخصي إلى دفع المرء إلى خانة العجز التي تجعل صاحبها ينتظر من سماء أميركا ان تمطر ذهب الحلول وفضته.

    المصالح الاميركية الاستراتيجية في منطقتنا العربية والإسلامية قائمة منذ أكثر من نصف قرن من الزمن على تكريس التبعية واستغلال الموارد وهي من ثم تتناقض مع جوهر مصالحنا كشعوب، فهل ترى في سياسة أوباما أية مؤشرات على تخفيف (ولا أقول عكس) هذا التوجه العاتي لا سيما في ظل شبح أزمة ذروة الطاقة التي تهدد مع الأزمة الاقتصادية أن تسعر دوافع الهيمنة والعدوانية الاميركية تجاهنا؟ أنا لا أستطيع أن أرى أية مؤشرات في هذا الاتجاه بل أكاد أجزم أن ذلك مما لا يستطيع أوباما أو غيره أن يكبح جماحه حتى لو أراد ولا أعتقد أن يريد حقاً.

    ما يريده أوباما هو إصلاح للسياسات الأميركية المتهورة للجمهوريين التي تكاد أن لا تودي بمصالح النخبة المهيمنة في أميركا فحسب بل باستقرار وتماسك الكيان الأميركي ككل. ولكن هذه الإصلاحات منضبطة جداً بالخطوط العريضة للسياسة الأميركية التوسعية الإمبراطورية. وهو يوظف بلاغته ومهاراته في الاتصال والذكاء العاطفي توظيفاً بارعاً ليلبس هذه الغايات الضيقة لباساً أوسع من الفضيلة والمبادئ والقيم السامقة. وأنا ببساطة أعتقد أن هتك ستر هذا الرداء المزيف هو واجب العصر الإعلامي والله تعالى أجل وأعلم.

    مع خالص ودي وتقديري واحترامي.

    ملاحظة: أنا لست ممن أرسل مقالة أبي راتب إليك احتراماً لرأيك الذي أعرفه مسبقاً مع العلم بأني أرسلتها إلى آخرين والأصدقاء والزملاء.

  2. Wael says:

    @أبو اسماعيل

    كم أقدّر بحثك عن المعرفة وروحك الجميلة وقدرتك على التعبير

    أن نقول أن أوباما ابن المنظومة وأنه لايصل إلا من اجتاز الاختبارات ومثل هذا يمثل في رأيي، الذي لاألزمك به ولا ألزم أحداً بطبيعة الحال، نوعاً من من التفكير بمنطق الحتميات التاريخية المطلقة التي لاتترك مجالاً لأي حيوية بشرية وقدرة إنسانية على التغيير.. ويلغي بخطورة أي إمكانية لسير عمليات المداولة وسنن التدافع البشري

    وهذا هو ما أخشى أن يخلق ويؤكد حالة الشعور بالعجز التي تتحدث ممنها .. سيما أن شيئاً قليلاً من قراءة ما كتبته وأكتبه عن مشكلات المنظومة لايوحي أبدا بانتظار أن تمطر سماء أمريكا ذهبا وفضة.. إلا أن يُقوَّلُ المرء مالايقول

    بل الطريف أنني كررتُ في أكثر من مقال ودراسة أن ماسمعته من تحليل ونقدٍ للمنظومة من الأمريكان انفسهم مثقفين أو أكاديميين أكثر عمقاً وأصالةً وقدرة على تفسير الظاهرة من النقد المطروح في الدوائر العربية والذي إما أن يركز على المدخل السياسي أو الأخلاقي أو كليهما فقط

    لكن الفهم الشمولي لأمريكا أيضاً يُظهر أن هناك في المنظومة حتى الآن آليات مراجعة وتغيير كبرى .. وأن هناك مجالا واسعا من أجواء الحرية ومن الأدوت التي توفر القدرة على التحليل والنقد لدى الكتاب والمثقفين والأكاديميين والنشطاء تسمح على الدوام بتصحيح قد يكون قليلاً .. وقد يكون كبيراً حسب قدرة المرء على التعامل معها

    أما أن نختزل وجود أوباما في أنه مجرد عملية تلفيق وتجميل للسياسات السابقة فإنه يوحي بلسان الحال ولسان المقال أن كل هذا الحراك السياسي والإعلامي والثقافي والحقوقي االذي يجري في أمريكا حول سياسات الرجل الداخلية والخارجية.. وهو يجري بشكل هائل لمن يعرف ويتابع تفاصيله.. أنه مجرد عملية توزيع أدوار في تمثيلية هزلية

    وهذه نتيجة لاأحسبك ترمي إليها من تحليلك.. وإن كان كثيرٌ من القراء سيخلصون إليها من خلال المزج بين كلامك والثقافة السائدة في فهم الأمور والحكم عليها

    على كل حال .. وحدة الزمن لاتزال مطروحة للسؤال والتاريخ يبقى الحكم مهما قلنا الآن

    وتقبل خالص تحياتي

    علما أنني لاحظتُ أنك لم ترسل إلي مقال أبي راتب واحترمت نيتك التي استقرأتها آنذاك

  3. أخي أبا عمر، السلام عليكم وبارك الله فيكم

    دعني استرسل بعض الشيء في بيان نقاط الخلاف:

    1) القول بأن أوباما ابن المنظومة الشرعي لا صلة له بأية حتميات على الإطلاق لا تاريخية ولا غيرها، وهو لا ينفي الحيوية البشرية وقدرة الإنسان على التغيير بل يعززها. المشكلة هي أن هذه الحيوية البشرية والقدرة على التغيير ومناخ الحريات الذي يفرز آليات التصحيح التلقائي كلها تعمل في إطارين أحدهما إطار مصالح النخبة الضيقة والثاني في إطار المصلحة العامة وأوباما يوظف قدراته في الإطار الأول في رأيي. روس بيرو لم يكن ابن المنظومة ورالف نادر كذلك. لهؤلاء وأمثالهم حيوية بشرية وقدرة على التغيير ولكنها تبقى محدودة ومعزولة بفعل آليات الضبط الهائلة التي تمتلكها مؤسسة النخبة. أنا لا أجزم باستحالة بروز شخصية لها أجندة تغييرية حقيقة ولكني عبر تتبع أداء أوباما السياسي منذ بروزه اللافت كخطيب مفوه في مؤتمر الحزب الديمقراطي عام 2004 ومن خلال سجله كعضو في مجلس الشيوخ ثم حملته الانتخابية واختياره لفريق مستشاريه ثم بعد هذا كله أداؤه كرئيس في سنته الأولى، أجزم أنه ليس تلك الشخصية ذات الأجندة التغييرية المرتجاة.

    2) أنا لم أقولك ما لم تقل أخي الكريم. أردت فقط أن ألفت النظر أن فكرة فرادة أوباما، غير المستحقة في رأيي، أدعى أن تفضي إلى نتيجة العجز الفكري والسياسي وانتظار الحلول من أميركا كما يروج لذلك من الإعلاميين المعروفين من لايشاطرونك كثير فكر أو رأي.

    3) أحلتك أخي الكريم على وقائع رئاسة كلينتون للمقارنة. كلينتون جاء إلى السلطة بشعار التغيير محملاً بوعد حملته الانتخابية بإصلاح النظام الصحي، وانفتح على الصين ورعى اتفاق أوسلو في حديقة البيت الأبيض ودفع بثقله في عملية السلام بخطوط عريضة لا تختلف كثيراً عن تلك التي يطرحها أوباما الآن وتدخل من أجل البوسنة والهرسك ليملأ بحلف الناتو فراغ العجز الأوروبي وعمل وفق ديبلوماسية متعددة الأطراف مع حلفائه الأوروبيين واليابان وتبنى سياسات اقتصادية تفضيلية تجاه وول ستريت مهتدياً بتوجيهات عراب الأزمة الاقتصادية ألان غرينسبان تماماً كما يفعل أوباما الآن مع برنانكي حواري غرينسبان. هيلاري، جورج ميتشل، دينيس روس، لاري سمرز، ريتشارد هولبرك، رام إيمانويل، جون بوديستا … هل تريدني أن أكمل؟ أنتجاهل حيوية هؤلاء البشرية في التأثير على صناعة القرار؟

    4) وماذا عن أدائه حتى الآن؟ أوقف التعذيب ولكن برنامج الترحيل إلى دول التعذيب مستمر، أعلن عن عزمه إغلاق غوانتانامو إدراكاً منه لمدى الضرر الإعلامي الذي لحق بأميركا بسببه ولكنه لم يحاكم من بقي فيه وفقاً للإجراءات القانونية كسلفه. بل إن الجمهوريين يفاضلون أوباما اليوم أنهم أطلقوا من المعتقل 500 سجين. سعّر الحرب على أفغانستان بدل قرار الانسحاب من العراق وعين من أجل ذلك ستانلي ماكريستال الجنرال المفضل لدى تشيني ورامسفيلد على رأس لاقوات العاملة في أفغانستان. أعلن عن ضرورة وقف الاستيطان كما فعل من قبله بوش الأب وكلينتون وبوش الابن لأن ذلك سياسة أميركية معلنة أنها ضد الاستيطان ثم نكص على عقبيه وهاهو يضغط على أبو مازن للاستمرار في تقديم التنازلات تحت ستار مسرحية التسوية. وما رأيك في موقفه من حرب غزة أم أنه كان لا يعلم في تقديرك؟

    5) أنا لا أخلط بين أميركا كمجتمع وأميركا كنظام فقد عشت فيها أكثر من عشر سنوات تمتعت خلالها بالامتيازات المتاحة للمواطن الأميركي أما المقاربة النقدية السياسية والأخلاقية فهي موجهة إلى مؤسسة النخبة المتنفذة والإدارة التي تمثلها. وهذا لا يعني أني أقتصر على هذين المجالين في مقاربتي النقدية، فالاقتصاد هو أحد قطاعات اهتمامي الشخصية وهو من أهم مداخل النقد في رأيي للإدارة الأميركية ولأوباما تحديداً والذي أثبت لي على الأقل أنه لا يعدو أن يكون نسخة سمراء من بيل كلينتون.

    6) الحراك السياسي والإعلامي والثقافي والحقوقي الجاري في أميركا حول أوباما هو ما أستقي منه معلوماتي وهو في مصادره المستقلة غير المرتبطة بمصالح النخبة أكثر مني نقداً بكثير. ومن ضمن هذا الحراك تيار يكاد يصبح عريضاً يقدم أوباما بوصفه أصبح علامة تجارية (براند أوباما) أصبحت ترتبط ارتباطاً عاطفياً برغبة الأميركيين في الإصلاح والتغيير دون أن يوجد ما يدعم ذلك على أرض الواقع.

    أخيراً أخي أبا عمر، لا يمكنني إلا أن أقر أن أوباما يعتبر حالة متقدمة إذا ما قيس ببوش الإبن ولكن يمكننا أن نقول الشيء نفسه عن معظم رؤساء اميركا وهذا لا يضفي عليهم تلك الهالة من التميز والفرادة غير المسبوقة والتي هي أساس الاختلاف بين وجهتي نظرنا. ويبقى هذا المجال واسعاً للرأي والرأي الآخر. فأنا لا أزعم أن ما خلصت إليه هو الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ومجال استقراء الواقع الأميركي المفعم بالنشاط والحراك رحب فسيح يتسع لعشرات الآراء فضلاً عن رأيَيْنا، والله تعالى أجل وأعلم.

    مع خالص ودي وتحياتي وتقديري،

  4. baraa says:

    لكن من التعسّف أن نؤكد ليل نهار أن تحقيق تلك المصالح لايمكن إطلاقاً إلا على حساب” مصلحة العرب والمسلمين. والنظرُ إلى الواقع من خلال تلك الحتميات والأحكام النهائية المطلقة لايُخالف المنطق فقط، وإنما يكون على الدوام سبباً في خلق حالةٍ من العجز الفكري والسياسي في مجال فهمه والتعامل معه بما يحقق المصالح المشتركة للجميع، وهي ليست قليلةً على الإطلاق.”

    sorry, it is easier for me to type in english :-)

    I agree wholeheartedly with the quote I pasted above, and I would add that it also results in a dangerous over simplification of the American political system, and trivializes the struggles of the American Muslim community that is working for change within that system.

    I enjoy reading your blog, عمو وائل :-)

Leave a Reply